الأربعاء، 7 أكتوبر 2015

الأخوان سعادة : أندرية سعادة و جان سعادة



جان سعادة
 
  

  



جان سعاده.. بطل تربّع على عرش المصارعة.. هل تذكرون؟
15-04-2011
درسنا في اللعازريّة ومن بعدها في "كوليج دو لاسال". بدأت مع أخي أندريه التمرين في بيتنا في كليمنصو حيث السقف يعلو 6 أمتار، مما سمح لنا بربط حبال كنا نتمرن عليها يومياً. إستحال المنزل إلى شبه نادٍ رياضي، ندعوا إليه أحياناً رجال الإطفاء لمشاركتنا التمرين على المصارعة اليونانيّة.

من ثمّ تعرّفنا على النادي الموجود في بيت حزب "الكتائب اللبنانيّة" (المركزي)؛ وروّاده لا للحصر، إدمون الزعنّي وبطرس غانم والشيخ بيار الجميّل.

عقدت العزم على السفر إلى فرنسا وكنت بحاجة إلى المال، فطلبت من الشيخ بيار وظيفة وهو كان وزيراً للأشغال العامة فدبرّ لي عملاً في إدارة الهاتف براتب خمس ليرات في اليوم. بعد فترة جمعت كل ما جنيته، ودون أن أخبر أحداً باستثناء أخي المرحوم أندريه الذي كان داعماً لي، باشرت بمعاملات السفر، ووقتها كنت بعد قاصراً (1958)، فاضطررت على تزوير توقيع المختار للاستحصال على جواز السفر. ألقي القبض علي، مما استدعى تدخّل النائب عن منطقتنا فؤاد البون، الذي اصطحبني إلى سراي جونيه ودفع عني 10 ليرات رسم جواز السفر والذي استحصل عليه بدقائق. بعدها أعلمت أهلي بمشروع السفر مباشرة قبيل أن استقل "البابور" متوجّهاً إلى فرنسا.

وصلت باريس العام 1958 وكان عمري آنذاك 17 عاماً ونصف (ولم أكن معروفاً وإن كان في رصيدي لقب بطل لبنان، الميداليّة الذهبيّة العريبّة، وآت من بطولة العالم في تركيا).

اللغة لم تكن عائقاً، كنت أتقن اللغة الفرنسيّة. توجهت الى المدرّب الشهير "فيليب فيليبي"، بدوره مدرّب بطل العالم بالملاكمة "مارسيل سيردان" (زوج المغنيّة الشهيرة "إديث بياف"). قلت له أنت أملي الوحيد هنا. أرسلني إلى ملك المصارعة الحرّة في باريس ومنظّمها في كافة أنحاء فرنسا، المدعو "أليكس غولدشتاين". لم أفلح بلقائه الا بعدما اصطحبني إليه شخص من كورسيكا يُحضِر له طعامه الصباحي. قال لي، وربما لأني عربي : "خذ أوّل قطار وعد إلى بلدك فأنت لا تهمنا هنا"، مشيراً إلى صورة بطل العالم الشهير بالمصارعة "بريمو كارنيرا" وطوله 240 سنتم. وأردف: "أترى هذا المصارع، هو الأصغر عندنا".

وعندما رأيت أنّه لن يساعدني، سألته على مضض إذا كان لديه مكان لأتمرّن فيه علماً أنني بالطبع لست بحاجة لتمرين ولكنني توسّلت ذلك لأبيّن عن قدراتي. أعطاني عنوان "بن شيمول". هذا الأخير أوّل ما رآني قال لي التدريب هنا مقابل مال، فأعطيته آخر مبلغ من المال كان بحوزتي. بن شيمول أراد أن يمتحنني... صعدت إلى الحلبة، متغلباً وتباعاً وبسرعة على المتدرّبين الجدد في ناديه. عندها، وبدهشة وربما بغضب وإحتقان، طلب من بطل فرنسا في المصارعة الحرّة والذي كان حاضراً -برنار فينيال- أن ينازلني، وبلحظات، تمكّنت من تثبيته، لاسيّما عبر الحركة التي ميّزتني وهي "التجسيرة" إلى الخلف. اندهش الجميع أمام هذا الحركة، فطلب مني "بن شيمول" تكرارها مراراً ومراراً وكنت مثبّتاً فينيال، عندها قال لي بأنّ هذه الحركة ستكون علامتي المميّزة، خاصة وأني الوحيد في العالم الذي يقوم بها وفق ما أكّد لي.

طلب لي مدرّبي الجديد من غولدشتاين تنظيم مباراة في "السيرك ديفير"؛ وهو المكان الحلم لأي مصارع. وقّعت عنده عقداً، وعلى الأثر طلب من سكرتيرته فتح الخزنة وقال لي: "خذ ما تريده وسجِّل عندها".. فأخذت مبلغاً مرقوماً سمح لي بفك الرهن عن منزلنا في لبنان.

ثمّ سألني عن اسمي. أجبته، جان سعادة. أجابني هذا الاسم ليس عربياً.. أعطني جواز سفرك، فقرأ "جان منصور سعادة". تابع: سنسميك من اليوم فصاعداً "المنصور". وطلب أن يوضع على الإعلان عن المباراة "المنصور بطل لبناني"...

اليوم المنتظر كان ضد المصارع "برناردو" الذي لا أعرفه. منازلتي له أتت بـ10 آلاف مشاهد كونهم كانوا يريدون أن يروا من هو هذا اللبناني الذي سينازل من يخشاه كلّ المصارعين بعد أن كان قد تسبّب بشلل أحدهم منذ فترة قصيرة. دخوله كان جللاً بحد ذاته، ولدى دخوله حلبة المصارعة بدأت الناس تصرخ "قاتل، أعيدو لنا مالنا". أسرع غولدشتاين متناولا الميكرفون مصرحاً: "البطل اللبناني أتى خصيصاً ليلقّن برناردو درساً لن ينساه وسيريكم القوّة اللبنانيّة والعربيّة". هدأت عندها الناس، وبدأت المباراة التي جاءت بمجملها لصالحه، مع مفارقة، الجمهور الكبير كان يصرخ مؤيداً لي. هنا، أقدم برناردو على تنفيذ ضربته القاضية عليّ: رماني على الحبال وقفز ليضربني برجليه على وجهي وصدري، وهو مشهور بهذه الحركة، إلا أنني ونظراً لقوّة حبال الحلبة ارتدّيت عنها بسرعة على الأرض، فأتت ضربته في الهواء وأدّت إلى سقوطه خارج الحلبة فكسرت رجله على الفور. إلا أنّ غولدشتاين ولحنكته رفض أن أُعلن الفائز في المباراة، كونه سيخسر كل عقود المصارعة التي أبرمها مع مختلف الدول لبرناردو إذا ما علموا أنّ شخصاً غير معروف هزمه، وبدلاً من ذلك قال: "المنصور يرفض هذا الانتصار لأنّ خصمه مصاب، فانتظروا مباراة الإياب".

عندها هاج الحضور، سائلا من هو هذا اللبناني المتواضع الذي يرفض الانتصار. ثم عاد فطلب مني أن أقول شيء بالعربيّة، فردّدت مقطع من خطاب للرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر لكثرة ما كنت معتاد أن اسمعه على المذياع، ما أفرح كثيراًً الجزائريين هناك. ثمّ عاد الجمهور فطلب مني قول شيء بالفرنسيّة، وكانت عندها لحظة حاسمة، علماً أنّه طلب غولدشتاين مني عدم التكلّم بالفرنسيّة، فقلت لهم أنا لا أستطيع الكلام إنّما فقط الغناء بالفرنسيّة، فردّدت عندها على مسامعهم نشيدهم الوطني "المارسييز" فوقفوا جميعاً وأنشدوه معي، وعند انتهائه استغرقني الوصول إلى غرفة الملابس نصف ساعة من التواقيع.

بعد هذه المباراة أراد المنظّمون أن يكون لي لباس يميزني، وفكروا باللباس الوطني اللبناني. كنت أعرف شخصاً من آل كرم هناك سألته إذا كان لديه الكفيّة و"العجال" والثوب اللبناني، فأهداني إيّاهم. عدت إلى مكتب غولدشتاين مرتديهم، ولما رأتني سكرتيرته أخذت الهاتف لتقول له: "هناك أمير يريد أن يراك". هي إذاً من خرج باللقب. ومن تلك اللحظة، رافقني لقب "الأمير المنصور" خلال كل حياتي المهنيّة.


من أجل مبارياتي الرباعيّة، قلت لغولدشتاين أنّ لدي أخ يشبهني كثيراً وهو أفضل مني في المصارعة وهو من علّمني، فاستعجلني بالمجيء به. وبالفعل كان له استقبال مهم مغطى صحافياً على المطار، وأخذوا ينادونه بالأخ الصغير للـ"المنصور" معتقدين أنّه أصغر مني. وأندريه يشبهني كثيراً، لاسيّما مع اللّحية وارتداء "الكفيّة والعجال" حتى أصبحوا يعتقدون في بعض البلدان أننا أخوة توأم. أما على صعيد المباريات، لم يلعب أندريه إلا معي في المبارايات الرباعيّة...

هناك شاركت وأخي أندريه ضدّ "ثاندر سوكياما" وهو بطل قومي في اليابان. مثل العادة، أجهزت عليه بحركتي المعروفة، التجسيرة. وإذ فوراً بعد المباراة رأيت في غرفة الملابس أعضاء من الاتحاد يطالبونني بنزع حذائي كي يفحصونه!! (لم أفقه لماذا بداية). بعد أن فحصوا الحذاء شعروا بالخجل وبدأوا يعتذرون مني كونهم ظنّوا أنّ فيه "زنبرك".

خضت مباراة في بريطانيا مع المصارع "سبانسر تشرشل" في "رويال ألبرت هول" بحضور دوق إدنبرغ، وكان يريد الجمهور أن يتعرّف علي، فنقلت تجربتي الأولى العفويّة في فرنسا إلى إنجلترا ولكن هذه المرة عن سابق تصوّر وتصميم وتحضير، فغنّيت لهم نشيد "God Save the Queen".

وفي إسبانيا نازلت مصارع لقبه "الرأس الفولاذي" (كابيزا دو هيريرو) الذي منعه اتحاد المصارعة من الضرب بواسطة "الرأس" بعد أن كان قد صرع ثوراً بضربة من رأسه. أنا لم أكن أعلم بهذه الواقعة فوجّهت له ضربة بواسطة الرأس مما أشعل الحماس لدى الجمهور فتعجّبت ولكن بعدها علمت أنني بذلك قد "حرّرته"، سامحاً له بالضرب برأسه. وأخذنا نضرب بعضنا بواسطة الرأس حتى وقعنا والحلبة ممتلئة من دمائنا، فأنا كنت عنيداً ولا أتراجع أمام أيّ تحدٍ.

أوّل مباراة بالمدينة الرياضيّة أقمتها مع أربعة مصارعين فقط. كانت الصالة ممتلئة عن بكرة أبيها. القناة 7 (تلفزيون لبنان) نقلت مباشرة اليوم الأوّل. وهكذا، امتلأت المدينة الرياضيّة لمدة 8 أيّام بالكامل. بالفعل، البلد كان يدخل في عطلة أثناء تلك المباريات.

على عكس اليوم، كنت أُحضِر المصارعين عبر الهاتف وينتظرونني فترة قبل أن أسدّد لهم أجورهم. وقتها المصارعة لم يكن لها الطابع التجاري الذي "يتخمها" اليوم. شركات الطيران مثل "ليا" و"طيران لبنان" كانوا يعطوننا 50% حسم على اسعار البطاقات. كانت الأمور سهلة.

شاركت مع "بريجيت باردو" و"ميراي دارك" و"إيدي قسطنطين"، و"جان ماريه" في فرنسا كممثّل بديل لإنجاز المشاهد الخطرة.

ومن الأفلام التي شاركت فيها بدور البطولة في لبنان "الجبابرة"، "أبطال ونساء"، "الجائزة الكبرى"، "فتاة الرقم الصعب" و"عودة البطل".

أنا لم أتعلّم التمثيل، إنّما جاء المخرج حسيب شمس، ونظراً للنجاح الرياضي الكبير الذي كنا نتمّع به، أتى بـ"طروب" و"ملك سكّر" من سوريا وأخرج فيلم "الجبابرة" بالأبيض والأسود. من بعده، مع المخرج محمّد سلمان مثّلنا فيلم "أبطال ونساء" (من بطولة نبيلة عبيد ومديحة كامل)، وقد صوّر في جبيل والقلعة بالاشتراك مع الممثّل سمير معلوف، وبالادوار الثانوية، كل من جورجينا رزق واختها فيليتشينا (يومها لم يكونا بعد شهيرات).

ومن الذكريات الجميلة في السينما الفيلم الرائع الذي مثّلناه مع المخرج المرحوم سمير الغصيني. في أحد المشاهد كان هناك صراع مع شباب في منطقة ملتقى النهرين. كان مطلوب مني أن أضربهم وأرميهم في النهر. في اليوم الثاني لم يأتوا نظراً للآلام والاصابات المبرحة التي عانوا منها. وقتها، لم نكن نعتمد الخدع السينمائيّة حتى يكتسب المشهد السينمائي مصداقيّة.

في الخارج عملت وأخي أندريه مع "ميراي دارك" و"هارلي غروغر" حيث مثّلنا معهما في فيلم "تحري الكازينو الخاص" وفي فيلم "لا غراند سوتريل".

كنّا في القمّة واليوم أصبحنا في القعر. الذكريات القديمة هذه والصور تؤلمني. أرشيفي يزعجني... موت أخي أندريه أثّر فيّ كثيراً.

لعبة المصارعة الحرّة لم تعد موجودة في لبنان. لم يعد هناك من رعاة لها. في فرنسا، كان عندي ناد اسمه "مدرسة المصارعة" درّبت فيه كثيرين من المصارعين المعروفين اليوم. في لبنان، الرياضيون يستهسلون الربح، دون أية تضحية، ولا يرضيهم أي شيء... يريدون أن يصبحوا مشهورين وأغنياء منذ اليوم الأوّل ودون أيّة مثابرة أو عناء. هذا يزيد من صعوبة إحياء هذه الرياضة مجدّداً.

هناك مشروع تصوير سيرة حياتي التي قصصتها عليكم باختصار شديد. انا متردّد لحاجتي الى أحدهم لكتابة سيناريو جيد... ولربما ايضا لأنني لا أفقه التعامل مع المخرجين الجدد كوني انتمي الى الرعيل القديم. كنت أقدمت على هذه الخطوة بدون أي تردد او تحفظ لو أنّ مثلا المخرج سمير الغصيني ما زال حياً.

المصدر: مارون صالحاني










 

حلقة "سيرة وانفتحت" الاثنين الماضي، صخب وذكريات مراهقي وشباب بيروت في


الستينيات والسبعينيات، من خلال استضافة بطل لبنان والعالم في المصارعة الحرة، جان سعادة. وبعد أن شوق زافين المشاهدين لرؤية سعادة كيف يبدو في عمر الـ 75، استعاد معه خلال الحلقة قصته مع البطولات والجوائز والألقاب التي حصدها خلال نصف قرن، وأبرز محطات حياته مع أخوه أندريه سعادة، وكيف يواجه اليوم تحديات عمره بعيدا عن الشهرة والبطولات.
 "كما كانت الباسكيت بول الرياضة المفضلة عند اللبنانيين في التسعينيات، كانت المصارعة الحرة هي رياضة لبنان الأولى في الستينيات، وكان في مقدمة هذه اللعبة الأخوين جان وأندريه سعادة. توفي أندريه في العام 1999 عن عمر 60 عاما. أما جان سعادة فهو موجود معنا ولا يزال هو البطل. بطل جيل كامل من اللبنانيين الذين عاشوا مراهقتهم في الستينيات والسبعينيات على حلم أن يصبحوا أقوياء مثله، ومشهورين مثله، وأغنياء مثله، وقادرين على أن يكونوا مع أجمل نساء العالم مثله". بهذه الكلمات قدم زافين ضيفه سعادة في ليلة عيد الفصح، واسترجع معه لحظات من ذكريات جميلة، قد تكون لأكثر المشاهدين حكاية فيلم خيالي من زمن مضى ولن يعود.
 بدأت الحلقة مع شهادات من أفراد عائلة سعادة وأصدقائه ورفاق دربه. حيث حضرت ابتناه وأحفاده وصهره وتحدثوا جميعا بحب كبير عن هذا البطل الذي شغل العالم كما شغل حياتهم بنجاحاته وبطولاته وحلمه الكبير بالوصول إلى العالمية. وعن سعادة الإنسان، اجمع الحضور على حسن تعاطيه مع من حوله، وحنانه وهدوئه. فهو وبالرغم من احترافه للعبة المصارعة العنيفة، من الصعب أن يستثيره أو يغضبه أحد. وتحدثت ابنته جوزيان عن علاقته الجيدة معها ومع أخواتها، وكيف كان يدربهن على المصارعة ويعلمهن كيفية الدفاع عن أنفسهن. وهو يقوم اليوم بنفس الدور مع أحفاده، حيث يعلمهم ويدربهم على "المصارعة" و"التايكواندو". ومن اللافت أن بناته كن يحضرن جميع حفلات المصارعة التي يشارك فيها، كما كن يشتركن في افتتاحها، بعرض صغير للتعريف عن لعبة المصارعة الحرة. 
 جان سعادة الذي يبلغ اليوم 71 من عمره، صاحب مسيرة حافلة بالبطولات المحلية والعالمية، فهو وأخوه أندريه شغلا اسم لبنان لسنوات طويلة، وعرفا بالأخوين سعادة. ولد أندريه عام 1938 في بيروت، فيما ولد جان في العام 1940. حبهما للرياضة وولعهما فيها جعلهما يحوّلا بيتهما لنادي رياضي. في عمر 16 سنة بدأ جان يحصد الجوائز والألقاب، توج عام 1956 بطلا للبنان في المصارعة الحرة، وتوج بطل العرب عام 1957، وبطل في دورة البحر الأبيض المتوسط في العام 1958، كما توج بطل فرنسا في العام 1961، وبطل أوروبا في العام 1964، وبطل العالم في العام 1970. لقب في فرنسا بالأمير آل منصور، وخاض 125 حفلة مصارعة خلال تسعة أشهر، مما وضع لبنان على خارطة المصارعة الحرة العالمية. كما احضر أبطال العالم إلى لبنان في مباريات حاشدة في المدينة الرياضية. منتصف الستينيات حول رياضة المصارعة الحرة إلى الرياضة الأشهر والأكثر شعبية في لبنان. هذه الرياضة فتحت أمام الأخوين سعادة أبواب السينما العربية والأجنبية، فقدما عدة أفلام مثل "الجائزة الكبرى" و"أبطال ونساء" و"الجبابرة"... كما كانا ممثلين بديلين في المشاهد الخطرة لأفلام أجنبية أبرزها "تحري الكازينو الخاص" مع برجيت باردو وفيليب دارك.
 قبل استقبال البطل جان سعادة، أعطى زافين لمحة سريعة عن حلقة الأسبوع المقبل بفقرة "سيرة وما انفتحت". والتي ستجول في جديد أدبيات وثرثرات الموضة العالمية، من فاشن بوليس لفاشنيستا، مع رموز لبنانيين في صناعة الموضة والحديث عنها. أما الفاشن بوليس فهي فكرة مجددة ومبتكرة لكيفية تقييم أزياء النجوم وأزياء الناس في الشارع بشكل عام. فكانت هذه التجربة مع خبير الموضة مصباح بعلبكي الذي سوف يعلن رسميا الأسبوع المقبل فاشن بوليس سيرة وانفتحت. فنزل مصباح إلى الشارع وأوقف النساء والشباب وناقش معهم ما يرتدون من ملابس وما يتابعون من موضة ومن خالف قوانين الموضة حصل على مخالفة وانتقاد لاذع. حلقة كاملة عن هذا الموضوع الأسبوع المقبل.
 بعدها عاد زافين إلى موضوع الحلقة الأساسي واستقبل البطل جان سعادة. سعادة حضر إلى الاستديو مفعما بالشباب والحياة، وبدا رجلا قويا متماسكا محافظا على لياقته البدنية والصحية، خلافا لأغلب التصورات والتكهنات التي كانت وردت إلى البرنامج قبل ظهوره، حيث تخيله البعض بدين جدا، أو عجوز لا يستطيع الحركة... الحديث مع جان بدأ عن فقدانه لشقيقه أندريه، الذي كان بمثابة توأم حياته ومسيرته. "اشعر بفراغ كبير منذ وفاة أندريه. أنا من بعده كمن أصيب بالشلل، لم اعد اعرف القيام بأي شيء. يسألني الناس لماذا لا تنظم حفلات مصارعة كالماضي؟ أجيبهم بكل بساطة لا يمكنني القيام بالدور الذي كان يلعبه أندريه، كان هو من ينظم كل شيء، من ترويج للحفلات، وعقد اتفاقات وغيرها من الأمور... أما أنا فكنت العب وانسق مع اللاعبين فقط". تغص الكلمات، وتتلألأ الدموع في عيني البطل عند الحديث عن شقيقه ورفيق دربه أندريه.
 ولهذا غيّر زافين الحديث حتى لا يحوّل حلقة العيد والاحتفال بجان إلى حلقة حزينة ونقله إلى عالم البطولات والشباب الدائم: "الرياضة، ثم الرياضة، ثم الرياضة... بفضل الرياضة مازلت أحافظ على شبابي. وأنا انصح جميع الناس بممارسة الرياضة، والابتعاد عن الرجيم. أنا ضد الرجيم، لأن الرياضة والحركة تحرق كل السموم في الجسم. وهناك مثل فرنسي يقول الحركة هي الحياة والله خلق الإنسان كي يعيش 120 سنة، الحل الوحيد للمحافظة على الصحة القيام بالتمارين الرياضية بشكل يومي". يقوم سعادة بممارسة الرياضة ما يقارب 3-4 ساعات يوميا، بالإضافة إلى أنه يتمرن بشكل يومي فهو أيضاً يمرّن في ناديه الخاص "نادي الشباب الدائم" وفي "مجمع كونتري لودج" في بصاليم حيث يعطي صفوفا رياضية للسيدات. وبهذه المناسبة تم عرض تقرير مصور لزيارة احد صفوف المدرب جان سعادة وعبر السيدات عن مدى حبهم وإعجابهم بالبطل وعن مدى استمتاعهم بهذه الصفوف وذلك يعود إلى شخصية المدرب المميزة والتلقائية والمحبة، ومعظمهم عادوا إلى الرياضة بعد توقف طويل عنها لأن من تحظى بفرصة أن يدربها البطل جان سعادة فلن تتوقف يوماً عن ممارسة الرياضة. بدوره عبر البطل جان سعادة عن مدى حبه لهذه الصفوف وعن مدى اهتمامه بحث تلاميذه بالمثابرة على الرياضة حتى أنه يطلق أسمائهن على حركات رياضية معينة يقمن بها خلال الصف.
 أما عن كيفية استرجاعه لمرحلة المجد والبطولات، فيقول: "اشعر بحزن كبير عندما اذكر تلك المرحلة، وخصوصا عندما أشاهد البطولات التي حققتها مع شقيقي أندريه. ذكراه توجع قلبي. ذكريات جميلة قضيتها معه وفقدانه مؤلم، فبفقدانه فقدت كل شيء". لقد توفي أندريه جراء إصابته بورم خبيث في معدته، نتيجة تلقيه ضربات عدة عليها خلال مباريات المصارعة التي كان يقوم بها. هذه الأسباب لا تقنع جان، ويقول انه كان يتعرض لنفس الضربات والمخاطر ولكن... نصيب شقيقه من هذه اللعبة الرحيل باكراً، أما نصيبه هو فتركيب ورك اصطناعي، فلعبة المصارعة من الألعاب العنيفة والتي لا تخلو من المخاطر والمغامرة. وعن طبيعة هذه اللعبة يقول سعادة، إنها لعبة فيها الكثير من الأسرار وعقد الاتفاقات والصفقات والمراهنات، وخصوصا في وقتنا الحاضر، فبعض اللاعبين يبيعون أنفسهم من اجل كسب المال، أما هو فلم يقم بذلك على الرغم من جميع العروض المغرية التي عرضت عليه.
 وعن سبب انتهاء لعبة المصارعة كلعبة جماهيرية واسعة الانتشار في لبنان والعالم العربي وفيما إذا كان لكل زمن أبطاله وألعابه، يعترف سعادة أن الحرب قضت على كل شيء في لبنان، ومن ضمنها لعبة المصارعة الحرة، حيث لم يعد من مجال لإجراء الحفلات، أو استقدام لاعبين من الخارج. ولكن اليوم لدي لبنان أسماء لا بأس بها في عالم المصارعة، ويمكن إطلاقهم لاستعادة مجد هذه اللعبة، مثل حسن سبليني ومنير حامد وعصام سعادة، وقد جال معهم عدة دول عربية كقطر والإمارات والسعودية، وحققوا نجاحات ملفتة. وعن الأمل في استعادة مجد المصارعة الحرة، يقول سعادة: "لدينا أبطال جيدين جدا، ونتمنى أن يدعم التلفزيون إطلالتهم. أفكر حاليا بإجراء مباراة مختلطة بين النساء والرجال في لبنان في منتجع "الكونتري لودج"  لاستعادة جمهور هذه اللعبة". 
  اشتهر سعادة وحصد ابرز بطولاته بفضل "التجسيرة" الخاصة به والتي اشتهر بها، وعلى الرغم من محاولة الكثير من اللاعبين تقليده، واكتشاف سر هذه "التجسيرة"، لم يفلح احد منهم بذلك. ولكن زافين بلباقته وأسئلته المعهودة، جعل سعادة يكشف عن سر هذه "التجسيرة"، وتاريخها معه. "يكمن سر هذه التجسيرة في قوة وليونة الظهر، وهذا ما يميزني عن غيري، وقد علمت بناتي كيفية القيام بها، وابنتي جوزيان تجيدها كثيراً. اكتشفت هذه الميزة لدي عبر مدرب اسمه كريكور عجميان، حيث كنت أتدرب في احد نوادي بيروت، ولما شاهدني أقوم بها خلال التدريب، أثنى على عملي وشجعني على المثابرة عليها، وتوقع لي الوصول إلى العالمية بفضلها".
 أما عن سفره إلى فرنسا، وحصده مجد الشهرة العالمية ولقب الأمير المنصور، قال: "كنت في السابعة عشرة من عمري يوم قررت السفر إلى فرنسا، وقد واجهت صعوبات كثيرة خلال إجراء معاملات السفر بسبب صغر سني، وبعد مساعدتي من قبل النائب منصور البون، أخذت موافقة أهلي وسافرت إلى باريس لأشق طريق المجد هناك. كنت أظن أن الحياة ستكون أسهل، وستفتح لي أبواب الشهرة فور وصولي إلى باريس. أول شخص قصدته هناك كان المدرب الفرنسي المشهور فيليب فليبي، ولأنه لا يتعاطى لعبة المصارعة، اعتذر منى وأرشدني إلى شخص يدعى الكس لمساعدتي. بعد عدة محاولات فاشلة لرؤية الكس، صدمت بموقفه تجاهي وبنصحه لي بالعودة إلى بلدي لأنه لا يعرفني ولا يعرف شيئا عن لبنان.  شعرت بالإحباط، وبدأت البحث في مكان آخر، كنت وحيدا أتخبط، وأحاول الوصول بشتى الوسائل. ولما قصدت احد الأندية لاكتشف الجو، تعرفت على مدرب اكتشف موهبتي، وتميزي "بالتجسيرة" التي أدخلتني فيما بعد إلى حلبة المصارعة في فرنسا، ولقبت بالأمير آل  منصور، وحصدت عدة جوائز وتوجت بطلا فيها في العالم 1958". صارع سعادة أبطالا كثر، وكان هزمهم الواحد تلو الآخر خلال 18 دقيقة، مما فتح له أبواب الشهرة العالمية، فجال العالم وفاز ببطولة أوروبا، وببطولة العالم، وحقق نجاحات مبهرة هو وشقيقه أندريه.
 خاض الأخوان سعادة في حياتهما تجارب عدة، فإلى جانب شهرتهما بالمصارعة الحرة، شاركا أيضا في تمثيل الأفلام العربية والفرنسية، حيث لعبا أدوارا إلى جانب نبيلة عبيد وجورجينا رزق ومديحة كامل... أما في فرنسا فقد كانا يقومان بأدوار الممثل البديل الذي يؤدي المشاهد الخطرة، وعن هذه المشاهد بالذات قال سعادة انه كان يغامر في حياته ويؤدي أقوى المشاهد، والتي كان أبرزها "قفزه من على جسر نهر السين". وكما ارتبط اسما سعادة بالبطولات والأفلام، ارتبط أيضا ببعض الأمثال الشعبية، فمثل "مثل العادة يا سعادة" يعود السبب في إطلاقه لهما لأنهما كان لديهما ضربه مشهورة، وكان الجمهور كلما يشاهدهما يردد "مثل العادة يا سعادة".
 خلال الحلقة تلقى زافين اتصالات كثيفة من أشخاص عاصروا الأخوين سعادة، وواكبوا مسيرتهما الحافلة، كما تلقى اتصالات من معجبين وشباب سمعوا من أهلهم عن بطولاتهما. الجميع حيا جان سعادة، والجميع هنأه على المجد الذي حصده، كما اجمع الكل على وجوب تكريمه من قبل الدولة. وكانت لفتة جميلة من ابن بلدته الزعيتري ورئيس بلديتها جوزيف عون، الذي أعلن انه سيتم تكريم الأخوين سعادة في الصيف القادم، من خلال إزاحة الستار عن تمثال للأخوين ينصب في باحة البلدة التي ولدا فيها. كما كان هناك لفته من بطل لبنان محمد المولى، الذي اتصل وحيا البطل وأثنى على إنجازاته وكل ما حققه من بطولات هو وشقيقه. أما جان سعادة فختم مبتسما: "الرياضة حياة، وأمارس الرياضة كي أبقى على قيد الحياة"




 __________________________________________________________________________________
 __________________________________________________________________________________
 __________________________________________________________________________________
 __________________________________________________________________________________
 __________________________________________________________________________________
 
بيروت - من ايلي قصيفي:
 جان وأندريه سعادة اسمان لمعا منذ ستينات القرن الماضي في عالم المصارعة الحرة عربياً ودولياً، فكان ما أحرزه «الشيخ» و«الامير» المنصوران (لقبهما آنذاك) دليلاً على قدراتهما وميزاتهما الخاصة التي أهّلتهما الى احراز بطولة العالم مرات عدة.
 وقد أظهر استطلاع للرأي شمل متابعين للمصارعة الحرة منذ عام 1970 ان 86 في المئة كانوا يشجعون الاخوين سعادة ويتابعون مبارياتهما.
وبعدما غلب كأس الموت اندريه (ولد العام 1938) عام 1999 بقي جان (ولد العام 1940) وحيداً بين الماضي والحاضر حافظاً لتاريخ من البطولات والامجاد، يقلب صفحاته بعدما اصيبت هذه الرياضة في لبنان والعالم العربي بـ «الافول».
ورغم الغياب اللافت لـ «المصارعة الحرة» في عالمنا العربي فان نجم «الاخوين سعادة» لم يغادر حلبة الذكريات المفعمة بالانتصارات «العالمية» يوم لعبا مع «اخطر» ابطال العالم وابتكرا فنوناً «قتالية» وصالا وجالا في اتجاه المعمورة ومعهما شارة النصر.
وخاض اندريه الذي لُقّب بالشيخ المنصور مع شقيقه الامير المنصور 125 مباراة دولية في نحو 9 اشهر في فرنسا، المانيا، انكلترا، ايطاليا، بلجيكا، اسبانيا.
وكما يذكر بعض الاسماء المعروفة من الابطال: روبير دورنتون، جاك كابان، برنار فيينال، هوست هوفمان، هوفن افلان، هانس سنايل، بيتر كايزر، ايفان زرانوف، جوي كوتيدس، اريك تايلور، فيلكس لمبان، لينو بيزارو بيبي ماركيز، خوسيه ارويو، في لبنان عام 1962 مع الابطال العالميين دواريه زويه، جان مارتن، وجيمي دولا.
هكذا اخذ لبنان مكانته في عالم المصارعة والاحتراف دولياً واصبح الاخوان سعادة يقومان بمثل هذه الجولة سنوياً فيقضيان في لبنان فصل الصيف ويلعبان في اوروبا وببعض الدول العربية المدة المتبقية من السنة.
ومنذ عام 1961 بدأت الجرائد والصحف العالمية والمحلية تكتب العناوين العريضة «نصر كبير للاخوين سعادة المنصورين في لندن وفخر لكل لبنان»، «يرتفع العلم اللبناني للمرة الاولى فوق كل اعلام الدول المشاركة في انكلترا بعد فوزهم على اريك تايلور، واندريان ستريت»، «فوز رائع للمنصوريْن لم تشهده حلبات المصارعة قبلاً»، «خمسون الف متفرج في المدينة الرياضية في يونيو 1963»، «البطلان المنصوران مع كارل مان كرامز واريك ميلر»، «الاخوان سعاده يثبتان للعالم بأسره ... انهما سيّدا المصارعة الحرة بعد فوز رائع وعظيم بـ 67 دقيقة»، «يوم خالد للبنان سيسجّله التاريخ».
على هذه الحال بقيت عناوين الصحف الرياضية تلمع وتطفئ اسماء ابطال دوليين وعالميين كبرنس كومالي، ودالي لانش، وهنري غاما، وجوني برزلي، وانكا فيراكوتشا، وتابوردا كورتي، انطونيو مورلان، وبوابا ايلادون، وما بين مباراة الثأر والفوز، والضربة القاضية، والتثبيت والاستسلام، وقصة الاخوين سعادة كانت لا تنتهي.
وفي جعبة جان سعادة ذكريات كويتية عن جولات المصارعة وحشود المشجعين، فهو يعتبر ان الكويت كانت وما زالت تشكل بلده الثاني لما كان يحظى به واندريه من اهتمام وتشجيع واحتضان.
«الراي» قصدت جان سعادة في ناديه الجديد في «عين الرمانة» (شرق بيروت) وكان لها معه هذا الحديث:
• اين جان سعادة اليوم؟
- انا اليوم في صدد التحضير لافتتاح ناد رياضي جديد يحمل اسم «الشباب الدائم»، وهذا المشروع يُعتبر جديداً في عالم الرياضة ليس في لبنان فحسب، انما في العالم أجمع. فمن يقوم بالتمارين الرياضية في ناديّ الجديد وفق البرنامج الذي وضعته أخيراً يمكنه ان يشعر بانه عاد في العمر بين 10 و20 عاماً الى الوراء. وهذه الطريقة استغرقت ثلاثين عاماً من العمل الجدي، وقد طوّرتُها تدريجاً الى ان اعتُمدت في صيغتها النهائية.

والجدير ذكره ان مَن يعتمد طريقتي في التمارين الرياضية اليومية، لا يمتنع بتاتاً عن اكل او شرب ما يرغب فيه، ولا يجد نفسه مضطراً الى اتباع حمية غذائية قاسية لتخفيف وزنه، فالمطلوب منه فقط القيام بالتمارين التي أطلبها منه وهي كفيلة بإبعاد الشيخوخة المبكرة عنه. وأتوقع ان تنال طريقتي الجديدة صدى ايجابياً في كل بلدان العالم. وهذا النادي يضاف الى سلسلة النوادي التي انشأتها في باريس واذربيجان وساحل العاج ومناطق لبنانية عدة.
• هل اعتزلتَ المصارعة الحرة والاهتمام بها؟
- أتولى تدريب عدد من الشبان اللبنانيين والعرب على تقنيات المصارعة الحرة وفنونها، وكنت في صدد التحضير لمهرجان كبير في المدينة الرياضية في بيروت، لكن حرب يوليو 2006 حالت دون ذلك، علماً بانني كنت اضع اللمسات الاخيرة على برنامج المهرجان، وقمت باتصالات مع اتحادات المصارعة الحرة في بلدان عديدة لاستقدام مصارعين محترفين وذوي شهرة عالمية، ولكن الظروف اتت معاكسة لطموحنا.
كذلك كنت أعدّ لانتاج فيلم سينمائي يروي قصة الاخوين سعادة مع المنتج والمخرج فؤاد شرف الدين وابنته جومانا، لكن الاحداث الاخيرة منعتنا من تحقيق حلم راودني زهاء 20 عاماً.

• هل ترى تراجعاً على مستوى المصارعة الحرة في العالم العربي؟
- أستطيع ان أتحدّث باستفاضة عن واقع المصارعة في لبنان نظراً لمتابعتي الدورية لمسيرتها، فالحروب المتعاقبة التي شهدها لبنان منذ عام 1975 وآخرها كانت حرب يوليو 2006 أعاقت مسيرة تطور وتطوير المصارعة الحرة، وكنت أتولى أخيراً تدريب فريق يضم رجالاً ونساءً ويتمتع بجهوزية كاملة للمشاركة في المباريات، لكن العمل توقف في انتظار عودة الاستقرار في شكل نهائي الى البلد. وأرى ان المصارعة الحرة راهناً افضل مما كانت عليه في الماضي، ولا شك في ان تطور وسائل الاعلام واتاحة نقْل أحدث المباريات بين اهم مصارعي العالم أوجد لدى الشباب اللبناني والعربي حماسة كبيرة لاحياء هذه الرياضة، فالشباب العربي يتشوق لاحياء المصارعة الحرة ولكن الاجواء السياسية والاقتصادية في بلداننا العربية تحول دون ذلك.

• بالعودة الى الذكريات، هلا اختصرت لنا مسيرتك الرياضية؟
- يعود الفضل في توجهي لاحتراف المصارعة الحرة الى شقيقي الاكبر المرحوم اندريه سعادة الذي بدأ هاوياً بالمصارعة الرومانية، ومحترفاً بالحرة، والحائز على بطولات عدة على اقوى حلبات المصارعة في العالم. وبتشجيع منه بدأت بمزاولة المصارعة الرومانية في نادي الشباب الرياضي في بيروت وكنتُ بعد في الـ 14 من عمري، وذلك باشراف المدرب الدولي بطرس غانم والبطل الدولي ادمون الزعني «اسد لبنان».

وفي العام 1956 احرزتُ بطولة لبنان للدورة الثانية في الوزن الثقيل، بين 1957 و1958 حللت اولاً في بطولة الدورة العربية الثانية، ومثلت لبنان دولياً في تركيا والقاهرة، وحللت ثالثاً في دورة البحر المتوسط في بيروت. وفي 1958 سافرت الى فرنسا على نفقتي الخاصة، وبدأت اشق طريقي في معترك الحياة الاوروبية الرياضية، مواجهاً صعوبات كثيرة نظراً لصغر سني وصعوبة الالتحاق بنواد للتدرب على تقنيات المصارعة الحرة اضافة الى غلاء المعيشة.
ورغم ذلك كله استطعت ان افرض نفسي امام رئيس الاتحاد الفرنسي للمصارعين المحترفين الكسي كولتسن بعدما طوّرتُ امكاناتي وتدريباتي على المصارعة الحرة. ولُقبت بـ «المنصور» بعد اول مباراة خضتها في اهم حلبة مصارعة في باريس، ثم عُدّل الاسم بعدما اعتمدت اللباس الرسمي وفق تقليد الزي العربي «الكوفية والعقال» ليصبح لقبي «الامير المنصور».
وبعد احرازي بطولات عديدة في جميع انحاء الدول الاوروبية، طلبت من شقيقي اندريه موافاتي الى باريس عام 1960 للعب سلسلة مباريات مع الابطال الاوروبيين في المصارعة الحرة. وخضت مع اندريه الذي لُقب بـ «الشيخ المنصور» 125 مباراة دولية خلال 9 اشهر في فرنسا، المانيا، انكلترا، ايطاليا، بلجيكا واسبانيا، ضد ابرز مصارعي العالم وحصدنا سوياً بطولات عدة منها بطولة فرنسا والعالم.
وهكذا اصبحتُ أقضي فصل الصيف في ربوع لبنان وأشارك مع شقيقي في مباريات المدينة الرياضية في بيروت التي كانت ذات مستوى عالمي من حيث التنظيم والشهرة العالمية للمصارعين المشاركين، فيما كنت اقوم شتاءً مع اندريه بجولة على الدول الاوروبية والعربية للمشاركة في المباريات التي كانت تقام آنذاك.
• ما أقوى مباراة خضتها ومن كان خصمك فيها؟
- أعتقد ان المباراة الاصعب التي خضتها في حياتي كانت مع البطل العالمي الهنغاري الاصل يوجي كوفاكش، وقد تعرّضتُ خلال هذا اللقاء الى اصابة بالغة في رجلي اليمنى، ما اضطرني الى اجراء عملية جراحية فيها بعد 28 عاماً. وقد لعبت ضد كوفاكش مرتين، الأولى في فرنسا، والثانية في لبنان، والمباراتان كانتا في غاية الصعوبة.

• فرنسا كانت منتصف القرن الماضي عاصمة المصارعة الحرة في العالم، فهل لك من ذكريات فيها؟
- لي في باريس ذكريات كثيرة، فمنها انطلقتُ نحو عالم الاحتراف. وكنتُ سافرت اليها وحيداً وعلى نفقتي الخاصة العام 1958 وكنتُ في الـ 18 من عمري. وآنذاك كنت أعمل في مصلحة الهاتف في بيروت وأتقاضى يومياً 5 ليرات لبنانية، فجمعت مبلغاً من المال وساعدني في انجاز الاجراءات الادارية المطلوبة للسفر زميل لي في المصلحة عبر تزوير توقيع والدي وختم مختار قريتي، لان والديّ كانا يعارضان سفري.

وفي فرنسا تعذبت كثيراً كي أجد نادياً يستقبلني، الى ان حالفني الحظ وقُبلت في ناد للمحترفين وفرضت نفسي بقوتي الذاتية. وبعد خوض مباراة مهمة في باريس قال لي مدربي حينها: «نجحتَ في باريس وستنجح في بلاد العالم كافة، وستكون لقطة «الجسر» خاصة بك وحدك، لانك الوحيد عالمياً القادر على القيام بها».
• قلت ان والدك عارض سفرك ولكن هل كان احترافكما لاحقاً انت وشقيقك اندريه يحظى بـ «برَكة» والديكما؟
- والدي لم تكن لديه القدرة على حضور مبارياتنا لشدة انفعاله، وكان يتابعنا عبر شاشة التلفزيون، اما والدتي فكانت اكثر شجاعة منه، لكنها في الوقت نفسه كانت شديدة الخوف علينا، وكانت تجلب معها الى المباريات زجاجة «ماء الزهر» لتخفف عنها حدة التوتر. وفي احدى المرات طلبت منها عدم الحضور الى الملعب خوفاً عليها من ردة فعلها وخصوصاً انها كانت مريضة. وما ان وصلت الى مدخل «المدينة الرياضية» في بيروت حتى وجدتها امامي تنتظر دورها للدخول. وفي احدى المرات صودف جلوس ضابط كبير في الجيش اللبناني الى جانبها، فما لبث ان احتدم الصراع بيني وبين خصمي، فبادر الى اخذ الزجاجة من يدي امي وتناول منها جرعة كبيرة، وذلك لشدة انفعاله.

• كيف كانت علاقتك بشقيقك اندريه؟
- كسواها من العلاقات بين الاشقاء. كانت علاقة جيدة جداً. فهو كان اكبر مني سناً وكنت آخذ بنصائحه. ولم يخلُ الامر من بعض التوتر في علاقتنا، واذكر اننا في احدى المرات اختلفنا على موضوع معين في المنزل وتطور الخلاف الى تشابك بالايدي، فما كان من والدتي رحمها الله الا ان وقفت بيننا لتهدئتنا، فأصيبت عن طريق الخطأ ووقعت ارضاً، الامر الذي انسانا الخلاف فسارعنا الى الاطمئنان عليها.
وفي مرة اخرى حضر فريق تابع لـ «تلفزيون لبنان» (الرسمي) لتصويرنا في نادينا الخاص، وطلب منا تقديم عرض على الحلبة، فما ان بدأنا الاستعراض حتى تحوّل مباراة جدية الامر الذي اغضب اندريه، فتعاتبنا وتصالحنا مجدداً. واذكر ان رياضياً فرنسياً كان يعلق مرة على احدى مباراياتنا في باريس ولكثرة ما اخفق في التمييز بيني وبين اندريه صرخ قائلاً: «لا استطيع التمييز بينهما لن أتابع التعليق».

• هل تذكر طرائف حدثت معك على الحلبات؟
- طُلب مني مرة في انكلترا ان اتوجه الى الجمهور بكلمات عربية وكان ذلك العام 1960 على ما أذكر، فتبادر الى ذهني خطاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في تلك المرحلة، فخاطبت الجمهور قائلاً: «ايها الاخوة في العروبة كونوا احراراً واياكم الاستعمار وعملاء الاستعمار»، وعندها علا تصفيق الحاضرين. وبعد ذلك طلب مني ان اقول شيئاً بالانكليزية فاحترت في امري الى ان وجدت نفسي تلقائياً ألقي النشيد البريطاني الامر الذي لقي استحساناً كبيراً لدى الجمهور، فحملوني على الاكتاف وساروا بي في أرجاء النادي.

•هل أُصبتَ بكسور او رضوض أثناء المباريات؟
- اصبت مرات عديدة، ففي المانيا مثلاً اصبت في عمودي الفقري وفقدت الوعي يوماً كاملاً، وظن الاطباء ان شللاً اصابني ولم يعد في استطاعتي الوقوف. وفيما كان اندريه يعدّ للعودة الى بيروت اتصلوا بنا من برشلونة في اسبانيا طالبين مشاركتنا في مباراة دولية تقام هناك، فاعتذرنا نظراً لاصابتي، لكن المنظمين اصروا على حضورنا ولو على الكرسي. ففي اسبانيا كانت لنا انجازات كبيرة جداً، وانتصرنا على الابطال الاسبان كافة، الامر الذي دفع الشرطة المحلية هناك الى تأمين مرافقين لنا خوفاً من الاعتداء علينا. كذلك خُلع كتفي في لندن وكسرت رجلاي. أصبت مرات عدة لكن والحمد لله كنت أتعافى بسرعة واعود الى المباريات.

• كيف كانت علاقتك بالجمهور وهل تعرضت لأذى من مشجعي اخصامك؟
- في اغلب الاحيان كنت احظى بتأييد اكثرية المشجعين مما كان يعطيني قوة اضافية. ففي اليابان مثلاً لقي أدائي استحساناً كبيراً لدى الجمهور الياباني، وكنت اجد صعوبة في مغادرة الملعب لالتفاف كثيرين حولي يطلبون توقيعي. واذكر ان بطلاً يهودياً مقيم في فرنسا كتب في الجريدة يتحدى ابطال فرنسا في المصارعة الحرة. فقررت تلقائياً مبارزته وطلبت ذلك الى مدير اعماله الذي وافق مباشرة معتبراً ان مباراة تجمع عربياً مقابل يهودي ستلقى نجاحاً كبيراً في خضم الصراع العربي - الاسرائيلي. وعند دخولي الملعب تفاجأت بهتافات الجمهور المؤيدة لخصمي علماً انني كنت احظى بتشجيع لافت اينما ذهبت الى ان اكتشفت ان خصمي يهودي وان المنطقة حيث تقام المباراة تسكنها غالبية يهودية، فانفعلت كثيراً وبدأت أُنزل بخصمي الضربة تلو الاخرى الى ان وقع ارضاً كالميت. واذ بالجمهور بدأ يرشقني بالبيض والخضار المهترئة ولم اعد اقوى النزول عن الحلبة، وحتى رجال الشرطة وقفوا متفرجين. ثم بدأ البعض يضربني بالكراسي ما دفعني الى الدفاع عن نفسي فأخذت كرسياً وبدأت اضرب يميناً وشمالاً كل من يعترض طريقي الى ان وصلت الى غرفة الملابس وأنا أنزف من جبيني. والاغرب من ذلك كله انني طُلبت الى مفرزة الشرطة بتهمة الاعتداء على الجمهور. وهذه المباراة لن انساها لما اعتراني فيها من غضب وانفعال وخوف من ان يقوم احد بقتلي. واذكر انني طُلبت مرة ثانية للعب في المدينة نفسها فأشترطت على المنظمين دفع مبلغ كبير جداً لم يسبق ان تقاضاه اي من المصارعين. وذهبت للعب هناك لكن اللبنانيين والعرب كانوا موجودين بكثرة خلال اللقاء الامر الذي زاد من حماستي وقوتي.

• ماذا عن ذكرياتك في الكويت؟
- لي في دولة الكويت ذكريات جميلة جداً، وقد زرتها أكثر من اربعين مرة، وشاركت في العديد من المباريات التي كانت تنظم في اندية كويتية معروفة اذكر منها «النادي الكويتي» و«نادي القادسية» و«النادي العربي». فالجمهور الكويتي يشجع كثيراً المصارعة الحرة وكنا نلقى انا واندريه ترحيباً مميزاً من الكويت حكومة وشعباً في كل مرة نزور فيها هذا البلد الشقيق. وانا ادعو المهتمين بالمصارعة الحرة في الكويت الى تنظيم مباراة دولية تعيد الحياة الى هذه الرياضة في العالم العربي. وانا مستعد لمساعدة المعنيين في استقدام اللاعبين ذوي الشهرة العالمية للمشاركة في المباريات، اضافة الى استعداد تلاميذي للّعب في الاندية الكويتية.

• ماذا تذكر من مبارياتك في الكويت؟
- اذكر ان افضل جمهور في البلدان العربية كان الكويتي. والكويت كانت نقطة انطلاقنا عربياً، اذ احتضنتنا في اوائل ستينات القرن الماضي. وأذكر اننا كنا نقيم اثناء وجودنا فيها في فندق «البريستول» المتميز آنذاك بخدمته الجيدة. وعندما كنا نقيم دورات عالمية في الاندية الكويتية، كانت حلبة المصارعة توضع في ملاعب كرة القدم نظراً لتوافد آلاف الاشخاص لحضور المباريات. واستقدمنا آنذاك بالتعاون مع البطل العالمي زكريا شهاب اكثر المصارعين شهرة في العالم اذكر منهم، برنس كومالي، اريك ميلر، ودالي لانش.
ذكرياتي في الكويت جميلة جداً، وكنت اعتبرها بلدي الثاني. وفي احدى المرات صعد الجمهور في الكويت من كثرة حماسته الى الحلبة لمعانقتنا وحملنا على الاكتاف مما ادى الى اصطدامهم مع رجال الامن، الامر الذي أسفر عن احتجاز اكثر من 200 مشجع. وبعد اكثر من سنة احرزت كأس البطولة في مدينة «هامبورغ» الالمانية وكانت الجائزة عبارة عن سيارة «مرسيدس 220 س»، واثناء مروري في احد شوارع بيروت اصطدم بي شاب ما ادى الى أضرار في السيارتين. وعندما بادرت الى تأنيبه على قيادته السريعة قال لي: «استاذ جان انا من الذين سُجنوا في الكويت لأجلك»، فأعفيت عنه وعانقتُه

هناك تعليق واحد:

  1. أففيش الفيلم موجودة على الفايسبوك Clara jacques beayni

    ردحذف